حمادة المصرى

حمادة المصرى

سليمان توفيق يتحدث عن ذاته: أحمل إرث الشرق وأكتب بالألمانية

سليمان توفيق يتحدث عن ذاته: أحمل إرث الشرق وأكتب     بالألمانية  حمادة المصرى

 

ترجمة - رشيد بو طيب

أعيش منذ 33 سنة في ألمانيا. أنا كاتب لغة المانية، لكني أحمل بداخلي أيضا ثقافة أخرى. فأنا لست الماني يكتب بالألمانية وأحس بانتمائي إلى هذه اللغة لكني رغم ذلك لست بألماني. أجلَ اللغة الألمانية كثيرا، ذلك أني أعيش داخلها، أعيش رقتها، عطفها، غربتها وضيافتها. وألحظ بأني لن أغادر هذه اللغة البتة. أتحرك بهذه اللغة. أعمل بداخلها سلبا وإيجابا. إنها لغة تمتلك الكثير من الشعرية وتبين عن العديد من الإمكانيات التي تسمح باجتراح كلمات  وصور جديدة.

يتوجب عليَ في اللغة الجديدة أن أخلق كلمات جديدة، طبعا بسبب من روحي الشرقية، ذلك أني أسمع هذه اللغة بشكل مغاير. فجرْس اللغة الجديدة هو أيضا مختلف. توجب علي أن أحس باللغة الألمانية، وأن أتعلم التفكير فيها وبها، فطريقة التفكير باللغة الأم لا يشبهها.

مثال عن هذا السياق الذي نتحدث عنه هو أيضا الفهم المختلف للعزلة. ففي اللغة الألمانية المتداولة تملك هذه الكلمة لاغرو دلالة إيجابية. القدرة على أن يعيش المرء لوحده، تعبير عن قوة الشخصية واستقلاليتها. فمن الطبيعي في ألمانيا أن يذهب المرء للتنزه وحده أو أن يعيش لوحده. وفي مقابل ذلك فإن العزلة تعني في الثقافات المتوسَطية انعزال الإنسان عن بيئته القريبة، فمن ينزوي بنفسه عن الآخرين هو إنسان تثقل كاهله الأحزان والمشاكل. فالعزلة تمثل في هذا السياق نوعا من الاختلال النفسي.

تملك هويتي الثقافية جذورا متنوعة، بعضها جديد، اخترتها بنفسي، مثل اللغة الألمانية والثقافة الأوروبية. وهناك جذور أصلية ترعرعت في كنفها، مثل اللغة والثقافة العربيتين. بالإضافة إلى ذلك هناك جذور روحية. جذور ليس لها حدود قومية، بل تتجاوز كل الحدود. إنها تكمن في الأدب العالمي.

الماضي جزء من شخصي. لكني لا أعيش فقط في الذكرى. الماضي لا يمَحي. إنه يتربَع دائما في ركن ما من وعينا. لذلك لا داعي للخوف من فقدانه.

أحمل بداخلي إرثا روحيا وعاطفيا وشخصيا ينتمي إلى الشرق. في هذا الإرث تكمن أيضا ذكرياتي عن الطفولة، وصور الشرق التي مازالت عالقة بخيالي ورأسي. ما أكتبه هو نتيجة التقاء الثقافتين العربية والألمانية. أحاول في أدبي أن أفهم التناقض القائم بين ماضي وحاضري. هذا التناقض يقوم بداخلي شخصيا بين اللغتين العربية والألمانية، بين الشرق والغرب.

لكن لماذا أكتب بالألمانية؟

الحركة بداخل اللغة الألمانية تعني بالنسبة إلي الدخول إلى المجتمع الألماني والانتقال من حالة ساكنة إلى وضعية متحركة. الكتابة بالألمانية تمثل بالنسبة إلي حرية أكبر ولقاءا مباشرا مع القارئ، وبلغة أخرى النفاذ إلى المجتمع الألماني وإلى الفكر الألماني. بناء علاقة مع الاثنين.

كل لغة تنظر إلى العالم بشكل مختلف. ازدواجية اللغة في الأدب مفيدة ومهمة بالنسبة إليَ ككاتب. لكن علي دائما الحذر من أن الشخص الذي يولد عبر اللغة الجديدة لا يقصي الشخص الأصلي بداخلي.

هناك تباعد بين الماضي والحاضر. إنه تباعد ثقافي، لغوي ووجودي. بفعل ذلك أحاول التوحيد بين الأمس واليوم، القرب والبعد، الهنا وهناك. هذا المزج يتحقق في فضاء لا مكان له ولا زمان. إنها بالنسبة إلي متعة، عبرها أنطلق باللغة الألمانية إلى آفاق بعيدة.

الحياة في الغربة رحلة مستمرة بين مكانين، لغتين وزمنين. في هذا الفضاء الغريب، في هذا الفضاء الجديد، على الغريب أن يتعلم مهنة الغريب، وهي مهنة لا تملك معيارا محددا. على الغريب أن يتعلم كل شيء من جديد. الغربة هي عمل مستمر على الذاكرة.

 وفي الغربة يعيش الانسان يوميا في صراع مع الذاكرة واليومي. هذا الصراع المزدوج يمكن أن يكون مدمرا كما يمكنه أن يكون خلاقا.

العمل الخلاق في الغربة يعني وصول الإنسان إلى الغربة وترك آثاره بها، من أحل التأكيد على أنه مرَ من هنا. هكذا يبدو العمل الخلاق محاولة لتجاوز الغربة. وتلعب اللغة في هذا المجال دورا مهما، فهي التي تعبر بداية عن تلك التجارب. إنها الوسيط الأول الذي يسمح للإنسان بالعثور على طريقه في العالم الجديد.

 وحتى إذا ما كتبت في اللغتين حول موضوع ما، لا أكتب نفس الشيء، رغم أن الزمن والمكان واحد. لربما بإمكان المرء أن يقول بأن ذلك نوع من الفصام في التعامل مع اللغتين. فعبر اللغة الأجنبية أحصل على وعي غريب، إنها تغربي ولربما هي أيضا هويتي.

مشروع الكتابة بلغة أجنبية، لغة ليست بتلك التي تكلمتها في طفولتي، هي مغامرة، يتجاوز عبرها المرء عقابيل اللغتين. وتصعب المغامرة أكثر إن لم يكن للغتين جذور مشتركة. إنها لغات لا تنحدر من نفس الأصل الروحي، ولا تملك قاسما مشتركا في النحو والتركيب والإيقاع. إنه بالنسبة لي إغراء متميز أن أخوض غمار هذه المغامرة. فأنا أستعير مثلا في شعري المكتوب بالألمانية استعارات من ماضي، من الأدب العربي. إن الحساسية الشرقية تمنح الأدب الألماني جوا جديدا.

هناك نصوص لا أكتبها إلا باللغة الألمانية، وأخرى لا أستطيع كتابتها إلا باللغة العربية: مثلا ملاحظاتي ويومياتي أكتبها بالعربية، أما المواضيع التي تمس حياتي الداخلية، فإني أكتبها بشكل أفضل بالألمانية، لأني أستطيع التصرف بها في حرية ووضوح. ذلك أنه عند الكتابة باللغة الأجنبية لا يشعر المرء بعبئ وتابوهات لغة الطفولة. أما المقاومة التي تواجهني بها اللغة الأجنبية، فإنها تنتمي إلى جماليات أدبي. إضافة إلى ذلك فإن اللغة الأجنبية حرة من تداعيات الماضي، وهكذا يظل هناك دائما نوع من البعد حين الكتابة باللغة الأجنبية.

اللغة الألمانية التي أتكلم وأكتب بها هي مختلفة عن تلك التي يتكلم ويكتب بها الكتاب الألمان. تعلمت بداية اللغة اليومية وبعد ذلك اللغة الأدبية. الأولى تعلمتها حتى أستطيع الحياة في هذا البلد. فتوجب علي أن أستوعب الفرق بين المستويين اللغويين. اضافة إلى القطيعة مع التقليد الأدبي للغة الأم. بهذه الطريقة أحاول العثور على دروب جديدة في الأدب. إني أصنع لنفسي استعارات وصور، بل وجمل جديدة



Add a Comment